لقد كانت جهود هذا الجيل المبارك هي الأساس الأول في تدوين السُّنَّة وحفظها ونقلها إلى الأمة, كما كانت
جهودهم - رضوان الله عليهم - هي الأساس في نشر الدين وترسيخ العقيدة وحماية السَُنَّة من كل مايشوبها.
وفيما يلي نماذج من تلك الجهود, وأكتفي بالنماذج هنا مشيراً إلى المصادر التي استوعبت
أو حاولت الاستيعاب, وذلك لأن المقام هنا لايتسع لأكثر من هذه النماذج :
1- الحث على حفظ الحديث وتثبيت ذلك الحفظ :
حتى كان كثير منهم يأمر تلاميذه بالكتابة لتثبيت حفظهم, ثم محو ما كتبوه حتى لايتكل على الكتاب.
قال الخطيب البغدادي : (( .... وكان غير واحد من السلف يستعين على حفظ الحديث بأن يكتبه, ويدرسه
من كتابه, فإذا أتقنه محا الكتاب, خوفاً من أن يتَّكل القلب عليه, فيؤدي إلى نقصان الحفظ وترك العناية بالمحفوظ ))

2- الكتابة بالسُّنَّة بعضهم إلى بعض, ومن أمثلة ذلك مايلي :
أ- كتب أسيد بن حضير الأنصاري رضي الله عنه بعض الأحاديث النبوية, وقضاء أبي بكر وعمر وعثمان, وأرسله إلى مروان بن الحكم.
ب- وكتب جابر بن سمرة رضي الله عنه بعض أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وبعث بها إلى عامر بن سعد بن أبي وقاص بناء على طلبه ذلك منه.
ج- وكتب زيد بن أرقم رضي الله عنه بعض الأحاديث النبوية, وأرسل بها إلى أنس بن مالك رضي الله عنه.
د- وكتب زيد بن ثابث في أمر الجد إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه وذلك بناء على طلب عمر نفسه.
هـ- جمع سمرة بن جندب ماعنده من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وبعث به إلى ابن سليمان
وقد أثنى الإمام محمد بن سيرين على هذه الرسالة فقال: (( في رسالة سمرة إلى ابنه علمٌ كثير )).
و- كتب عبدالله بن أبي أوفى بأحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى عمر بن عبيدالله.

3- حث تلاميذهم على كتابة الحديث وتقييده, ومن أمثلة ذلك :
أ- كان أنس بن مالك الأنصاري رضي الله عنه يحثُّ أولاده على كتابة العلم؛ فيقول : (( يابَنِيَّ قيدوا العلم بالكتاب )),
وكان يقول - رحمه الله ورضي عنه - : (( كنا لانعد علم من لم يكتب علمه علماً )).
ب- روى الخطيب بسنده عن عدة من تلاميذ عبدالله بن عباس حَبر الأمًّة أنه كان يقول : (( قيدوا العلم بالكتاب, خير ماقُيد به العلم الكتاب )).
ج- وروى أيضاً بأسانيده من عدة طرق إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال : (( قيدوا العلم بالكتاب )).
د- وعن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال : (( من يشتري مني علماً بدرهم ))
قال أبو خيثمة : (( يقول : يشتري صحيفةّ بدرهم يكتب فيها العلم )).

4- تدوين الحديث في الصحف وتناقلها بين الشيوخ والتلاميذ :
ولقد كانت هذه الصحفُ هي النواة الأولى لِمَا صنّف في القرنين الثاني والثالث من الجوامع والمسانيد والسنن وغيرها.
قال الحافظ ابن رجب الحنبلي : (( والّذِي كان يُكتب في زَمن الصَّحابة والتابعين لم يكن تصنيفاً مرتباً مُبوباً, إنّما كان يكتب للحفظ والمراجعة
فقط, ثم إنه في عصر تابعي التابعين صُنفتِ التصانيفُ, وجمع طائفة من أهل العلم كلام النبي صلى الله عليه وسلم, وبعضُهم جَمع كلام الصحابة.
قال عبدالرزاق: أولُ من صنف الكُتب ابن جُريح, وصنف الأوزاعي حين قِدم على يحيى بن كثير كُتبه )).
ومن أمثلة هذه الصحف مايلي :
أ- صحيفة أبي بكر الصديق رضي الله عنه فيها فرائض الصدقة.
وروى الخطيب بسنده إلى أنس بن مالك : (( أن أبا بكر الصديق بعثه مصدقاً, وكتب له كتاباً فيه فرائض الصدقة, وعليه خاتم رسول الله
صلى الله عليه وسلم وفيه .. هذه فريضة الصدقة التي فرضها رسول الله صلى الله عليه وسلم على المسلمين ... )) الحديث بطوله.
ب- صحيفة علي بن أبي طالب رضي الله عنه.
أخرج الخطيب وابن عبد البر من عدة طرق عن علي بن أبي طالب أنه خطب الناس, فقال :
(( من زعم أن عندنا شيئاً نقرأه ليس في كتاب الله تعالى وهذه الصحيفة, فقد كذب )).
قال الراوي عنه : (( وكانت الصحيفة معلقة في سيفه, وفيها أسنان الإبل, وشيء من الجراحات, وقوله صلى الله عليه وسلم :
(( المدينة حرمٌ مابين عير إلى ثور, فمن أحدث فيها حدثاً أو آوى محدثاً, فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين )) الحديث بطوله
ج- صحيفة عبدالله بن عمرو بن العاص, المعروفة بالصحيفة الصادقة.
وعن مجاهد, قال : (( أتيت عبدالله بن عمرو, فتناولت صحيفة من تحت مفرشه, فمنعني, قلت : ماكنت تمنعني شيئاً
قال : هذه الصادقة, هذه ماسمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم ليس بيني وبينه أحد )).
هذه الصحف الثلاث كلها كتبت في حياته صلى الله عليه وسلم وهناك غيرها كثير مما كتب في حياته صلى الله عليه وسلم.
د- صحيفة عبدالله بن أبي أوفى, ذكرها الإمام البخاري في كتاب الجهاد من ( صحيحه ) باب الصبر عند القتال.
هـ - صحيفة أبي موسى الأشعري
و- صحيفة جابر بن عبدالله
ز- الصحيفة الصحيحة التي يرويها همام عن أبي هريرة من حديثه.

كتاب : تدوين السنة النبوية
الدكتور : محمد بن مطر الزهراني
|
|